الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
152
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه المحافظة كلما تقدمت به السن ، ويمنح الولد الإجازة ليخطو في حياته نحو الاستقلال ، والا فسيكون كمثل غرسة النورس تحت ظل الشجرة القوية دائما لا تنمو كما يلزم . وربما وافق يعقوب ( عليه السلام ) - لهذا السبب - على اقتراح أبنائه رغم علاقته الشديدة بيوسف ، وأرسله معهم إلى خارج المدينة ، ومع أن هذا الأمر كان صعبا على يعقوب ، ولكن مصلحة يوسف وحاجته إلى الرشد والنمو كانت تستوجب أن يجيزه أبوه ليبتعد عنه ساعات وأياما ! وهذه مسألة تربوية مهمة غفل عنها كثير من الآباء والأمهات ، حيث يربون أولادهم تربية بحيث لا يستطيعون أن يعيشوا خارج " خيمة الأبوين " ومحافظتهما عليهم ، وبالتالي يسقطون أمام تيارات الحوادث وضغوطها ، كما أن هناك رجالا عظماء فقدوا والديهم في دور الطفولة ، ولكنهم صنعوا أنفسهم بأيديهم وواجهوا المشاكل وتجاوزوها . فالمهم أن يلتفت الوالدان إلى هذه المسألة التربوية ، وإلا فستكون محبتهما " الكاذبة " مانعا من استقلال أولادهم . من الطريف أن هذه المسألة موجودة في بعض الحيوانات بشكل غريزي ، فنحن نرى أفراخ الدجاج " الفروج " - مثلا - يبدأ حياته تحت جناحي أمه ، وتحافظ الدجاجة الأم عليها كما تحافظ على روحها " العزيزة " . ولكن بعد فترة حيت تكبر هذه الأفراخ فإن الأم لا تترك المحافظة على هذه الأفراخ فحسب ، بل تنقر أيا منها يصل إليها . ومعنى هذا أنها تريد أن تعودهم على أن يتعلموا طريق الحياة المستقلة ! فإلى متى تعيشون غير مستقلين ؟ ! ولكن هذا الموضوع لا ينافي تقوية الروابط العائلية والمحافظة على المودة والمحبة ، بل هي محبة عميقة وعلاقة محسوبة ونافعة للطرفين .